ابن الأثير
536
الكامل في التاريخ
ان ينصبوا خيامهم ، ويحموا نفوسهم به ، فاشتدّ القتال عليهم من سائر الجهات ، ومنعوهم عمّا أرادوا ، ولم يتمكّنوا من نصب خيمة غير خيمة ملكهم ، وأخذ المسلمون صليبهم الأعظم الّذي يسمّونه صليب الصلبوت ، ويذكرون أن فيه قطعة من الخشبة التي صلب عليها المسيح ، عليه السلام ، بزعمهم ، فكان أخذه عندهم من أعظم المصائب عليهم ، وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك ، هذا والقتل والأسر يعملان في فرسانهم ورجّالتهم ، فبقي الملك على التلّ في مقدار مائة وخمسين فارسا من الفرسان المشهورين والشجعان المذكورين . فحكي لي عن الملك الأفضل ، ولد صلاح الدين ، قال : كنت إلى جانب أبي في ذلك المصافّ ، وهو أوّل مصافّ شاهدته ، فلمّا صار ملك الفرنج على التلّ في تلك الجماعة حملوا حملة منكرة على من بإزائهم من المسلمين حتى ألحقوهم بوالدي . قال : فنظرت إليه ، وقد علته كآبة ، واربدّ لونه ، وأمسك بلحيته ، وتقدّم ، وهو يصيح : كذب الشيطان . قال : فعاد المسلمون على الفرنج ، فرجعوا فصعدوا إلى التلّ ، فلمّا رأيت الفرنج قد عادوا ، والمسلمون يتبعونهم ، صحت من فرحي : هزمناهم ! فعاد الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى حتى ألحقوا المسلمين بوالدي ، وفعل مثل ما فعل أوّلا ، وعطف المسلمون عليهم فألحقوهم بالتلّ ، فصحت أنا أيضا : هزمناهم ! فالتفت والدي إليّ وقال : اسكت ! ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة ، قال : فهو يقول لي ، وإذا [ 1 ] الخيمة قد سقطت ، فنزل السلطان وسجد شكرا للَّه تعالى ، وبكى من فرحه . وكان سبب سقوطها أنّ الفرنج لمّا حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشا ، وقد كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك الحملات ممّا هم فيه ، فلمّا لم يجدوا
--> [ 1 ] وإذ .